الكلمات والأشياء (2): الحراك…
تــاريـخ النــشر : 2017/06/18 | مصنفة في وجهة نظر | لا تعليقات

لا تزعجني الثورة.. بل أتوق إليها بلذة صوفية تكاد تكون مبهمة.. من لا يتوق إلى الثورة لا يستحق أن يكون حرا.. الثورة حلمي الذي لم يكتمل.. منذ أربعين سنة أو أكثر ناوشت نظام الحكم، وكل الأنظمة الأخرى، حالما بثورة تقلب القيم والعلاقات وموازين القوى رأسا على عقب، تهدم وتعيد التأسيس، تبتكر في كل شيء: في الفكر والثقافة والفن وتوزيع الثروة والعدالة الاجتماعية والاقتصادية وفي السياسة….

ما يزعجني هو كلمة “الحراك”.. أعتبرها كلمة مشؤومة… قد تكون أسبابي في ذلك تافهة، لكنني أراها في غاية الجدية. أول هذه الأسباب هو أن الكلمة لا أصل لها في اللغة العربية القياسية، كما وضح ذلك الأستاذ محمد المدلاوي في مقال طريف سبق أن اقتسمته على هذا الحائط. والكلمات المعدومة الأصل تعكس في العادة انبثاقا مفاجئا ضد المجرى العادي لحركة التاريخ وللفعل الإنساني الإرادي التراكمي. الحراك كلمة توهم بوجود مخاض غير قابل للعقلنة يطفو مثل وجع غامض المصدر؛ توهم بعدم وجود اتجاه واضح للحركة، قد يكون مثل أمواج متلاطمة متدافعة لا تستطيع أن تشق طريقا إلى الأمام.

هذه الدلالات التي أحاول أن أحاصرها خلف تلك الكلمة، ليست أوهام متأدب يتلاعب بالكلمات؛ بل هي عين ما تشير إليه مآلات وقائع الأحداث عند من سبقونا إلى اجتراحها قبل عدة سنوات. وهذا تعبير رؤياي.

كلنا نعرف اليمن السعيد. ومن هم في جيلي أو أكبر سنا مني، يذكرون أن هذا البلد السعيد، كان يتصدر عناوين الأخبار المنبعثة من إذاعة صوت العرب وإذاعة لندن بأثيرها المترنح الذي يجعلنا أشبه بالمتلصصين في وقت لم تكن فيه قنوات فضائية ولا إذاعات فضائية. كانت حرب اليمن تذكر جنبا إلى جنب مع حرب الفيتنام والأوضاع المتقلقلة في شبه الجزيرة الكورية بعد حربها الطويلة.

انتهت سلسلة الحروب اليمنية التي لم تهدأ منذ انتهاء الحكم العثماني هناك في 1919 إلى إقامة جمهوريتين إحداهما في الشمال عاصمتها صنعاء والثانية في الجنوب عاصمتها عدن؛ الأولى تدعمها السعودية ومن ورائها الولايات المتحدة، والثانية تدعمها مصر الناصرية ومن ورائها الاتحاد السوفياتي، ونحن طبعا.

لقد ساندنا، نحن الثوريين المغاربة، جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية ضد الجمهورية العربية اليمنية في الشمال، لأنها في نظرنا كانت ديمقراطية تقدمية ثورية اشتراكية… في عام 1989 بدأت إجراءات توحيد اليمن انطلاقا من اتفاق وقع في الكويت بين الشمال والجنوب، وفي 1990 أعلنت الوحدة رسميا.

لم تنتصف سنة 1994 حتى اندلعت الحرب مجددا بين الحكومة المركزية والحزب الاشتراكي الذي يمثل بقايا اليمن الجنوبي.. دامت الحرب شهرين وأودت بما يفوق سبعة آلاف قتيل. ومن الغريب أن السعودية دعمت هذه المرة الاشتراكيين ضد الحكومة المركزية.

في 2007 جاء الحراك: الحراك الجنوبي.. انطلقت شرارته من جمعية للمتقاعدين والمسرحين العسكريين الجنوبيين الذين يطالبون بإعادة إدماجهم في الجيش اليمني، ليتحول إلى مطالبة مدنية باستقلال الجنوب عن الشمال. وشيئا فشيئا بدأ الحديث عن الاحتلال العسكري للجنوب من طرف الشمال…

البقية يعرفها الجيل الحالي…

دخلت كلمة الحراك إلى القاموس الإعلامي والسياسي العربي عبر شاشة الجزيرة، وشاشة قناة العالم الإيرانية، في سياق تتبع ما يجري في اليمن. لا يمكن الجزم بشكل حاسم، هل هي نتاج المتحاركين أنفسهم أم نتاج التغطيات الصحفية للقناتين. لكن المؤكد أن المتحاركين قد تبنوا الكلمة لتوصيف ما يقومون به..

جاءت الكلمة إذن من اليمن، اليمن المائج بالحروب القبلية والمذهبية منذ 1919، أي منذ ما يقرب من قرن.. يحق لليمنيين أن يسموا ما قاموا به في جنوبهم بالحراك.. فهو تموج من بين التموجات اللامتناهية في جميع الاتجاهات، في تاريخ هذا البلد السعيد. ممالك وممالك، منها الأدارسة والزيدية والحوثية وقبائل الجبال وقبائل السهول، والشيعة والسنة، والاشتراكية والليبرالية…

لا أحد اليوم يعرف إلى أين وصل الحراك، لكن المؤكد أنه تم ابتلاعه في خضم اسم أوسع هو “الربيع العربي” الذي نتوهم أنه انطلق في ذلك البلد في 2011؛ الربيع العربي اليمني المستمرة فصوله إلى اليوم، والذي أبطاله هم الرئيس المخلوع والرئيس المنصب باسم الثورة والزعيم الحوثي والتحالف العربي وإيران والقاعدة و… والجميل أن اليمن حصلت على جائزة نوبل للسلام سنة 2011 من خلال الشابة توكل كرمان التي لم يعد أحد يسمع عنها شيئا اليوم، تماما مثل السلام الذي حازت جائزته.

لهذه الأسباب، تزعجني كلمة “الحراك” وأمجها.. لأنها ليس فيها أي ملمح من ملامح نبل الثورة.. كلمة لقيطة لا تليق بتطلعات أبناء بلدي في شماله وفي أي مكان منه.. ولذلك ادعو إلى مزيد من البحث لنجد كلمة أكثر نبلا لتسمية أحلامنا في التقدم والديمقراطية والعدالة الاجتماعية والمجالية وكرامة المواطن.

عز الدين بونيت: باحث أكاديمي

اترك تعليقا