“بن تاجر” يتذكر لحظات من طفولته
تــاريـخ النــشر : 2017/07/07 | مصنفة في وجهة نظر | لا تعليقات

في مرحلة الطفولة أولى تجارب كسب المال بشكل مستقل تكون عبر بيع الخردة أو المتلاشيات! في هذا السياق، كانت لي تجربة شخصية إبان تسعينيات القرن الماضي، بدأت بجمع معدن النحاس عبر استخراجه من الأجهزة الالكترونية وبقايا أسلاك الكهرباء المنزلية كما جمعت معدن الحديد، حيث كنت أجوب الأزقة بحثا عن منزل في طور البناء وأنقب في ركامه. ثم وسعت قاعدة مشروعي لتشمل قطع الألومنيوم من الأواني المنزلية التي أكل عليها الدهر وشرب، فالبلاستيك وغيره…

وتبقى أبرز هذه التجارب في حياتي تلك التي خضتها في فترات العطلة الصيفية التي كنت أقضيها بمسقط رأسي بمدينة تارودانت، حيث كنت أجمع قطع الخبز اليابس في كيس دقيق فارغ وأنتظر يوم الأحد لأمتطي دراجة هوائية ممسكا المقود بيد واحدة واليد الأخرى أضمن بها توازن كيس الخبز اليابس بالمقعد الخلفي..

حين أدخل سوق “جنان الجامع” وألج “رحبة الحبوب” الغاصة بالطيور من دجاج وحمام وأرانب (إلخ).. على الرصيف نسوة يعرضن بضاعتهن من بيض بلدي ومنهن من تبيع الخبز اليابس لمربي الأغنام والماعز كعلف مساعد.. هن من كنت أتعامل معهن، يتهافتن علي فتنادي هذه من هنا وتلك من هناك فأقصد إحداهن لتعاين البضاعة، فتحدث ثقبا في مقدمة الكيس ووسطه وأسفله وتتأكد من كون البضاعة يابسة غير رطبة وتزيل القطع الفاسدة (الخبز اليابس المتعفن)، ثم تتفاوض حول الثمن.

ذات مرة جمعت وقريبي مجموعة من العلب أو القارورات الزجاجية الفارغة الخاصة بالمربى.. توجهنا صوب سوق المتلاشيات في “باب الخميس” .. قصدنا أول محل للخردة، كان صوت المذياع يكسر رتابة المكان.. صاحب المحل جالس في زاوية ينثر حبيبات الكيف المحترقة من عود السبسي قبل أن يخرج آخر نفس دخان استقر في صدره ثم يتبعه رشفة شاي استنتجت أنها باردة نظرا لغياب “الرزة” في الكأس، وكأنه بتلك الرشفة يبرد مسالكه التنفسية أو بالأحرى المجاري من دفئ الدخان كما يفعل “الرادياتور” بمحرك السيارة!

عاين البضاعة ورفض قارورة واحدة لكونها متضررة وضررها لا يسمح لغطائها بالإغلاق.. كانت الحصيلة 13 درهم، الجو حار وكرات البطيخ الأحمر تسيل اللعاب، اشترينا بطيخة حمراء (دلاحة) بخمسة دراهم وبطيخة خضراء (السويهلة) بثلاث دراهم واحتفظنا بالخمسة المتبقية لنقصد مساء صالة الألعاب (البيار).. نزلنا الوادي المجاور لباب الخميس (الواد الواعر)، استظللنا بظل شجرة وشققنا البطيخة الحمراء عبر ضربها على الأرض الصخرية بقوة فانكشف لبها والتهمناه بنهم.. جاء الدور على البطيخة الخضراء التي يظهر من ليونتها أنها طازجة ومن رائحتها أنها لذيذة استوت بعناية.. إن نحن ضربناها بالأرض كما فعلنا بالبطيخة الحمراء لن تصمد على غرارها.. بعد تفكير معمق اهتدينا إلى الحل، كسرنا قارورة المربى الزجاجية التي لم يقبلها بائع المتلاشيات، واستعملنا أكبر جزء منها كسكين، فتمت العملية بنجاح.

بقلم عبد الرحيم بن تاجر

اترك تعليقا