“بن تاجر” يسترجع ذكريات أيام الدراسة
تــاريـخ النــشر : 2017/07/11 | مصنفة في وجهة نظر | لا تعليقات

في آخر فصلين من السلك الابتدائي، كان لي زميل أتقاسم معه المقعد ما قبل الأخير في الصف الثاني من جهة الباب .. زميلي هذا جمعتني به طرائف ومأساة !

من طرائفه أنه أيام الشتاء وفي الحصص الصباحية كان يحضر معه للفصل قنينة بلاستيكية صغيرة فيها حساء (حريرة البلبولة)، وكلما خرج الأستاذ أو استدار جهة السبورة حرك القنينة ونزل تحت الطاولة ليرتشف القليل من الحريرة.. وذات مرة أحضر معه علبة بلاستيكية فيها عصيدة وملعقة، ومن حين لآخر يدخل يده ويملأ ملعقته ويتحين الفرصة لإفراغها تحت أنفه.

زرته مرة في حيه وتعجبت من والدته تناديه بإسم غير الذي نعرفه عنه في المدرسة، ولما استفسرته أجابني بأنه عند ولادته اختلف والداه حول تسميته وتشبت كل منهما بمقترحه، فخرجوا بحل وسط ألا وهو تسجيل الإسم الأول في الحالة المدنية ومناداته بالإسم الثاني في البيت !

الذكرى السيئة التي تشاركناها حدثت في المستوى الخامس ابتدائي.. حيث كانت الشقراء مجتهدة القسم تجلس أمامنا مباشرة .. شعرها الطويل الأملس ذو اللون الأشقر يبعثر أقلامنا كلما تحركت يمنة أو يسرة .. في بعض الحصص كان الرهان بيني وبين صديقي على قطعة علكة لمن ينتزع خصلة من شعرها دون أن تشعر بذلك.

في إحدى الحصص وبينما خرج الأستاذ لبرهة، عم الضجيج والفوضى القسم، تتحدث هاته مع تلك ويرمي هذا طائرة ورقية لذاك (إلخ) .. جاءت إحدى زميلاتنا لتدردش مع الشقراء المجتهدة، فمالت هذه الأخيرة ناحيتها واضعة ذراعها الأيسر على طاولتنا.. الطاولة مرتفعة قليلا عن الأرض، ودون أن تشعر أدخلت قدمها تحت الطاولة.. وبينما هن يتجاذبن أطراف الحديث اتكأت الزميلة الأخرى على طاولتنا فنزلت بكل ثقلها على قدم الشقراء كمن أغلق باب المنزل على أصابعه.. صرخت الشقراء وسالت دموعها من شدة الألم، تورمت أصابع قدمها وتشنجت رجلها.. صاحبة الفعلة توثرت وخافت مما اقترفت، ربتت على كتفها واعتذرت ثم اعتذرت وفرائصها ترتعد..

كانت جثة الأستاذ تخفي أشعة الشمس عن نوافذ القسم وهو يتقدم صوب الباب دافعا جسمه المتكوم إلى الأمام.. ساد القسم صمت رهيب، لمح الأستاذ مجتهدته وهي تخفي وجهها بين ذراعيها، اتفسرها هل هي مريضة ويا ليتها كانت كذلك.. أخبرته بما حدث لقدمها لكن لم تخبره بالفاعل الحقيقي.. أشارت لي وصديقي كوننا الفاعلين، ولم تكتفي بذلك بل انتحبت وهي تسرد سيناريو من وحي خيالها قابل للتصديق، مفاده أني وصديقي كنا نعبث بأقدامنا تحت الطاولة فنرفعها ثارة ونضعها ثارت أخرى (وهذه كانت عادة التلاميذ الذكور) فالتفتت جهتنا لتشتكي إزعاجنا لها بتحريكنا الطاولة، ومع استدارتها أدخلت قدمها تحت الطاولة التي كانت في وضعية الرفع قبل أن تهوي على أصابعها أثناء إنزالنا لها.

أول مرة يطالني الظلم، ومن هول الصدمة أكلت القطة لساني وخانتني الكلمات التي أبت الخروج للدفاع عني.. نزع الأستاذ سترته وشمر أكمام قميصه، عض لسانه وأفرغ الطاولة الأمامية إيذانا بأن العقاب هو “الفلقة”.. بدأ بصديقي الذي تمدد فوق الطاولة على بطنه كمن تمدد في الحمام للكسال، وبدأ يهوي على ظهره ومؤخرته ضربا وصراخه يهز المكان.. جاء دوري ولحسن حظي أن التعب نال من الأستاذ ولم تطل مدة “فلقتي” كصديقي، صوت السوط وهو يخترق الهواء يبعث الرعب بداخلي، ضربات متتالية على مؤخرتي النحيفة وظهري الهزيل.. انتهى العقاب وأحسست بمرارة الظلم الذي سبب لي فقدان الشهية ليومين، ولم تنفرج أساريري إلا عندما انتقمت لكرامتي.. أخفيت مسمارا بين أناملي وخدشت سيارة الأستاذ.

حوالي 15 سنة مرت على الواقعة، وكلما التقيت ذاك الزميل إلا وابتسم كلانا للآخر ابتسامة يذكر من خلالها أحدنا الآخر بما تقاسمناه.

بقلم عبد الرحيم بن تاجر

اترك تعليقا