بونيت: لا تنسيق مع الإسلاميين… لا تنسيق(!!!)
تــاريـخ النــشر : 2017/07/06 | مصنفة في وجهة نظر | لا تعليقات

اطلعت على تدوينة للأخت لطيفة البوحسيني تعلق فيها على البيان الأخير لفيدرالية اليسار الديمقراطي الذي تعلن فيه وقف التنسيق مع الإسلاميين. وتابعت ما أثاره ذلك البيان من نقاشات وتعاليق صحفية، منها ما ربط مضمونه بموقف ترامب من التيارات الإسلامية، ومنها ما استعاد الأدبيات التقليدية التي أطرت نقاشات الطلبة منذ بداية الثمانينيات، وعلى الخصوص إبان المد الإسلامي في صفوف الحركة الطلابية مع نهاية الثمانينيات وبداية التسعينيات.

وفي غياب مبادرات سياسية للأحزاب والتيارات الوطنية الديمقراطية، بعد تسعة أشهر من الأزمة السياسية التي تعيشها بلادنا، تفاقم خلالها الوضع في الريف، وهو مهدد بمزيد من التفاقم في مناطق أخرى، لا يسع المرء إلا أن يتساءل: ما الذي جرى ويجري لحياتنا السياسية المؤسساتية؟

في أعقاب 20 فبراير 2011، كان هناك نفس الجمود والعطالة، طبعا المشهد السياسي الحزبي. ولولا تدخل الملك بعد أقل من شهر ليطرح مبادرة تعديل الدستور، لكان الانتظار ربما سيطول، وستتمسك الأحزاب بجمودها السياسي. لقد تشكل انطباع محقق مع مرور الوقت، بأن الأحزاب، في علاقتها بالمجتمع لم تعد قادرة على ابتكار مبادرات يمكنها العمل على تغيير المعطى السياسي على الأرض.

واليوم، عوض أن تطرح أحزابنا مبادرة على شاكلة عريضة المطالبة بالاستقلال سنة 1944 أو مذكرة الكتلة الوطنية سنة 1970 أو التقرير الإيديولوجي للمؤتمر الاستثنائي للاتحاد الوطني للقوات الشعبية سنة 1975، أو تأسيس منظمة العمل الديمقراطي الشعبي سنة 1983/1984أو تأسيس الكتلة الديمقراطية سنة 1992، نراها فاقدة للبوصلة، لا تحمل أجوبة ولا مقترحات سياسية لإخراج البلاد من أزمتها.

اليوم، عوض أن ندفع بفكرنا السياسي قدما إلى الأمام، ونراجع منطلقاتنا الإيديولوجية ونعيد تحديد أولوياتنا في ضوء التحديات التي يطرحها علينا التكالب الإمبريالي وحلفاؤه الداخليون (ورثة محميي القرن 19)، نرى – على العكس – مبادرات نكوصية عقيمة، تكرس الانقسام بمبررات إيديولوجية وحسابات واهمة.

من باب النقد الذاتي في صفوف اليسار، لا بد أن نعترف أن صدور هذا البيان في الوقت الحالي، مظهر من مظاهر عقم الفكر السياسي لدى اليسار المغربي. وللمفارقة (ولو كانت هذه الملاحظة لن ترضي الكثيرين) فإن التيارات الإسلامية، أثبتت – على عكس اليسار – قدرتها على المراجعة والنقد لكثير من إطاراتها المفاهيمية على مدى السنوات الثلاثين الأخيرة، مما اهلها لتحديد أولويات أكثر براغماتية وجعلها أكثر قدرة على المبادرة.

وفي الضفة اليسارية، يمكن الجزم أنه منذ عدة سنوات توقفت عجلة التفكير وتآكلت القدرة على التحليل وتجديد الفهم، وصار الجمود الإيديولوجي أكثر تحكما في الفعل السياسي، وسببا فعليا لانحسار القدرة على المبادرة..

في 20 شتنبر الماضي (في خضم الانتخابات التشريعية) كتبت مقالا نشرته على صفحتي بعنوان “من أجل عقد ديمقراطي مدني” دعوت فيه إلى تأسيس جبهة مدنية ذات مضمون سياسي تجمع المتطلعين إلى التغيير الديمقراطي في البلد من كل الضفاف الإيديولوجية، وأساسا اليسار والإسلاميين على أرضية برنامج عمل مرحلي فيه مطالب محددة. لم يلتفت أحد إلى هذا المقال، ولم يحظ سوى بتعليق واحد يتيم، مما يعني أن الأفق كان وما يزال منغلقا في وجه هذه الأفكار.

وقبل أيام اغتنمت فرصة التفاعل مع تساؤلات أحد قياديي العدل والإحسان، لإعادة التأكيد على أن مفهوم العلمانية لا ينبغي أن يكون حجر عثرة في وجه بلورة مشروع برنامج سياسي بين القوى الشعبية الحية، بما فيها القوى الإسلامية والقوى اليسارية لبناء دولة المواطنة التي يكون القانون هو الشكل الأوحد للعلاقة بين المواطنين.. ومرة أخرى كان التفاعل جد محدود مع هذا المقترح.

ما لم تدركه بعض فصائل اليسار هو أن الدول وأساليب الحكم لا تبنى على المعتقدات الخاصة بهذا الفصيل أو ذاك، وإلا فلا فرق إذ ذاك بين شمولية اليميني المتطرف وشمولية اليساري المتطرف، ولا فرق في الجوهر بين طوبى الإسلامي وطوبى اليساري، فكل منهما مستحيلة التحقق بشكل يطابق وعود المنطلق.

إذا لم تسعفنا تجارب التاريخ في إدراك هذه الجزئية، فلا أرى كيف ولا متى سندركها.

عز الدين بونيت: أستاذ جامعي

اترك تعليقا