العميد “ميسي” المعتقل الذي لم ترو حكايته
تــاريـخ النــشر : 2017/07/26 | مصنفة في أخبار وطنية | لا تعليقات

يقضي العميد محمد الصادقي المشهور وطنيا بـ”ميسي” اسبوعه الاول في سجن الزاكي بسلا، بعد اعتقاله مؤخرا من قبل فرقة ال “بسيج” مركز الابحاث القضائية، للتحقيق معه رفقة اربعة عشرة أمنيا وجمركي واشخاص اخرين، في قضية الاتجار الدولي للمخدرات، بتهم المشاركة وتلقي رشاوي وافشاء السر المهني.

تجربة هذا المسؤول الامني الذي شكل ظاهرة كانت فريدة، من خلال مسار مهني حافل بالانجازات في التصدي لتجارة السموم والحد من الجريمة واعتقال المخالفين للقانون، وهو ما اعطى نتائج ايجابية جعلت العميد “ميسي” يكسب تعاطف المواطنين في حين شكل نجاحه حجرة عثر لجهات اخرى، من ضمنها شبكات تروج المخدرات في القرى والمدن بمناطق سوس، الى جانب تجار كبار حوصرت تجارتهم الدولية بعد التصدي لها عبر السدود الامنية.

  • العميد “ميسي” من ضابط الى مسؤول أمني كبير

لا أحد يجادل في حنكة وتبصر مدير المديرية العامة للامن الوطني عبد اللطيف الحموشي، كشخصية نادرة تشتغل بجدية الى جانب اطقم وكوادر في الامن الوطني لتوفير الامن والسلامة الجسدية للمواطنين من بطش المجرمين وتجار المخدرات، وهو ما شكل شبه ارتياح للمغاربة في مملكتهم، بل ان عمل الادارة العامة الجديد، استهدف تجفيف منابع الفساد بداخل الادارة كذلك، وهو ما نلامسه من خلال اخبار وبلاغات عن توقيفات أمنيين وتنقيلات تأديبية للمخالفين، مما اعطى للمؤسسة الامنية نفس جديد شعاره توفير الامن للمغاربة تطبيقا لتعليمات ملكية سامية بهذا الخصوص.

عين العميد الصادقي في نهاية التسعيينيات رئيسا للدائرة الامنية ” تالبورجت” بأكادير، وهي الفترة التي بدأ خلاله مشواره الامني، بعد اعتقاله مركزيا، استقت الجريدة بعض الشهادات عنه، اجمع اغلبهم على تفانيه في عمله اليومي، والاستماع الجيد لشكاوي المواطنين، وتقريب الادارة الامنية منهم، مما جعل الوضع يكون اكثر سلاسة بالنسبة للمرتفقين.

بعد ذلك انتقل الصادقي من دائرة أمنية بسيطة، وتمت ترقيته في عهد المدير العام للامن الوطني انداك الشرقي الضريس، ليشغل مهمة اكثر حساسية وموقعا على رأس أمن ميناء اكادير، القطب التجاري المحرك لجهة سوس ماسة، واستطاع الرجل ان يحقق نتائج مهمة، جففت منابع الجريمة في هذا المحيط الحيوي، وجعلت المهنيين يشتغلون في مأمن من الخارجين عن القانون، وكانت له أعين بالمكان لا تنام مما اهله للنجاح في هذه المهمة.

لكن مهما النجاحات التي رافقت مشوار العميد الصادقي، كانت كذلك الاخفاقات تواجهه، ففي عهد والي جهة سوس ماسة (درعة ) الفيلالي، انتشر البناء العشوائي في ربوع اكادير، وكانت حينها الدولة قد اخرجت برنامج مدن بدون صفيح، والذي استفاد منه عدد من المواطنين، كما شكل وجبة دسمة لمسؤولين راكموا ثروات من ذلك، لازال اغلبهم يعيشون في نعيمها الى يومنا هذا، لكن من سوء حظ العميد الصادقي انه بنى مسكنا له في هوامش اكادير بمنطقته الشمالية، مما اثار غضب مرؤوسيه وعلى رأسهم الشرقي الضريس، الذي جاء في مهمة مستعجلة الى مدينة اكادير، وفجر فضيحة تورط مسؤولين في البناء العشوائي، بعد حمل ( صورة) لفيلا، قال امام الصحفيين انها في ملكية شخصية أمني، وبعد مغادرته تم تنقيل العميد الصادقي الى مدينة اولاد التايمة، وعميد اخر صوب مدينة تيزنيت.

بالرغم من غضبة المسؤولين المركزين ، وتنقيل ” ميسي” على رأس مفوضية فتية بأولاد تايمة، لم يمل الرجل من خطوة التراجع الى الوراء قليلا، خصوصا ان أمن ميناء اكادير كقطب اقتصادي، ليس شبيه بمهمة اخرى بمدينة عاشت على وقع الجرائم لعقود من الزمن، كما ان هوامشها كانت مرتعا لمروجي الممنوعات والهاربين من العدالة. بدأت رحلة ” ميسي” العملية، فنسج علاقات جيدة مع جمعيات المجتمع المدني، ومع المنتخبين في عز الصراع والتطاحن الانتخابي بين التجمعي ( بودلال وقيوح) والوافد الجديد على مجلس بلدية اولاد التايمة ( العدالة والتنمية)، هذا الخليط الغير المتجانس، لم يشكل للصادقي اشكالا في النجاح في مهامه، بل ان التعاون مع الساكنة المتعطشة للامن، مكن الصادقي من التحكم في المدينة، واصبحت ارقام هاتفه الشخصي بحوزة كل مواطن، يتصل وقت ما شاء ويبلغ عن مروجي المخدرات وقطاع الطرق، وهي الخطة التي مكنت من اعتقال المئات من المخالفين، وانعمت المدينة بالامن وقلت الجريمة ونال الرجل اعجاب السكان ونال حظه من التكريمات في كل مناسبة الاحتفال بذكرى تأسيس الامن الوطني.

  • ميسي يشن حربا على المخدرات خارج مجاله الترابي

شكلت هوامش مدينة اولاد التايمة، هاجسا امام العميد الصادقي، فهي الامنكنة التي تضم السهل والجبل، وفيها توجد اوكار المخدرات، كل الموقوفين باستهلاك او ترويج المخدرات باتوا يعترفون بتجار كبار يوجدون في الاودية والغابة على مشارف المدينة، ومع كثرة ادراج اسماء هؤلاء في مذكرات بحث متعددة، جعلت ” ميسي” يستصدر أمرا من النيابة العامة بابتدائية تارودانت، وبدأت رحلة الغزوات، ثارة يستعمل الرجل ( بيكوب) تنقل عاملات فلاحيات، وهم في الحقيقة رجال أمن مستخفيين، فاخترق غابة ( ادمين) وهناك فكك مصانع لصنع مسكر ماء الحياة وحجز اطنان من المخدرات، وثارة يستعمل مراسيم نقل جثمان ميت للاطاحة بتجار على مستوى انزكان ايت ملول، بل تفنن الرجل في ابداع طرق وتقمص ادوار حتى تحول الى شبح مخيف لتجار المخدرات.

  • ميسي يترقى من رئيس مفوضية الى رئيس منطقة امنية بانزكان.

ساهمت وسائل الاعلام بمختلف انواعها في بزوغ نجم العميد الصادقي، بل كانت تلك الصحف هي من اطلقت عليه لقب ” ميسي” اسوة باللاعب الارجنتيني الاسطورة، وذلك بعد ان صفقت وهتفت جماهير شباب هوارة في احدى المباريات بالمدينة بهذا اللقب الجديد، لكن اعادة تعيين العميد الصادقي على راس المنطقة الامنية لانزكان ايت ملول، شكل الخبر احباط في نفوس ساكنة اولاد تايمة وقبيلة هوارة عموما، بل هناك من الجمعيات او المنتخبين الذين طالبو وساطة للادارة العامة من اجل الابقاء على الصادقي مسؤولا امنيا باولاد التايمة.

لكن الصادقي كانت رغبته جامحة في اختراق دروب وتجربة جديدة بالعاصمة التجارية بسوس، هذه الرغبة ساهم فيها تواجد العامل الشنوري وهو الشخصية الامنية مشهورة كذلك بعد ان عين مسؤولا ترابيا على عمالة انزكان، وكانت له صداقة مع زميله العميد الصادقي في صفوف الامن، لتكتمل صورة العمل، خصوصا ان مدينة انزكان كانت تعاني من وضع امني صعب، ارتفاع في مستوى الجريمة وترويج للمخدرات، واشتغل العميد بنفس طريقة مفوضية اولاد تايمة، استقبل مكتبه ايام تعيينه جل اعيان انزكان وجمعياتها وتجارها، واستطاع الرجل نسج علاقات تعاون مع الهيئات مكنته في وقت وجيز من توقيف المجرمين والمروجين.

لكن منطقة ( القليعة) وضفاف وادي سوس، شكلت محط قلق لـ”ميسي” وبدأ يبحث عن اختراقها، خصوصا انها مناطق تدخل في نطاق عمل جهاز الدرك، وكانت نقط سوداء للجريمة، واستطاع “ميسي” اختراقها، وفق اعمال مساطر قانونية وبأوامر من النيابة العامة لانزكان، تمت مداهمة اوكار لتجار المخدرات وشحنات من الاخطبوط المهرب والكازوال، وحتى ان هذه الغزوات شكلت غضب الدرك، ووقع يوما ما تصادم بين رجال الامن وعناصر الدرك ولولا تدخل العامل لوقعت فضيحة، اثناء مداهمة الصادقي مستودعا للكازوال يوجد في نفود المركز الترابي لدرك القليعة.

بعد ذلك فتحت شهية العميد الصادقي ووجه انظاره صوب احد الاوكار الاخرى التي توجد في نفود الدرك للدراركة وهي المنطقة الجبلية المطلة عن مدينة اكادير، حيت نفد عملية أمنية تكللت بحجز كميات كبيرة من مخدر الشيرا واعتقال اشهر بارونات المخدرات وتقديمه للعدالة، وهي الغزوة التي تناقلتها وسائل الاعلام المرئية وحملت تصريحات المسؤولين الامنيين، وبعدها غزوات اخرى كانت لها نفس النتائج.

  • العميد ” ميسي” يتسبب في تنقيلات امنيين ورجال درك

نهج العميد ” ميسي” اسلوبا قديما مفاده ان الاصلاح يبتدأ من البيت الداخلي وهو ما يشير له المثل المشهور “اللي باغي يشطب يشطب باب دارو” استطاع هذا المسؤول ان يطهر البيت الداخلي للامكنة التي اشتغل فيها، من مراقبة العناصر الامنية التي تحت رئاسته، وهو ما مكنه من معاقبة عدد من المخالفين داخليا عبر تغيير امكنة اشتغالهم، او كتابة تقارير للادارة المركزية لاتخاذ المتعين في مخالفات مهنية جسيمة، مما جعل الحقد يتسلل النفوس بعض من اشتغلوا معه، في حين كان نصيب عناصر جهاز الدرك اكثر قساوة، حيت شكلت اي مداهمة الى نفوده الترابي معاقبة الدركيين ومرؤوسيهم بسبب التهاون في القيام بالواجب المهني عبر تنقيلهم الى مراكز اخرى خارج الحركة الانتقالية العادية، خصوصا ان جهاز الدرك يعمل بشكل جدي لكن اشكاليات الوسائل واللوجستيك والموارد البشرية كانت نقطة ضعف عناصر الجهاز في القيام بالعمل، وهي النقطة التي اتاحت لـ”ميسي” تنفيذ غزواته وتحقيق النتائج.

  • العميد ” ميسي” واللعب مع الكبار

شكلت انجازات العميد الصادقي في محاربة الجريمة وتجار المخدرات، كسب ود متعاطفين وكذلك في زيادة نار الحقد والغيرة لدى البعض، خصوصا ان التطاول على نفود خارج المسؤولية، وكما يقول المغاربة لكل مسيرة نجاح اعطاب، فأصبح الرجل مركز اهتمام المسؤولين، وبدأ حياته اليومية وتحركاته تثير الاهتمام، فبدأ العد العكسي لـ”ميسي” بعد استدعائه السنة الماضية للادارة المركزية، تناقل اكثر من مصدر ان الامر يتعلق بملف “سخون” لشبكة دولية للاتجار في المخدرات، في حين قال البعض ان العميد ورئيس الامن العمومي بانزكان العميد السلطاني وكذلك رئيس فرقة الشرطة القضائية، قد ارتكبوا اخطاء مهنية، مما جعل ادارة الحموشي تعاقبهم باعادة انتقالهم الى مناطق اخرى وبدون مهام، فكان نصيب العميد “ميسي” منطقة ارفود قبل ان تنفجر قضية تورطه في ملف ضخم ومعقد مع مجموعة من الاشخاص متورطة في ملف للاتجار الدولي للمخدرات كانت فرقة الـ”بسيج” تشرف على فك الغازه مما عجل باطاحة عدد من المسؤولين الامنيين.

في حين ان اخرون يتحدثون ان الاطاحة بمسؤول في السلطة قريب احد المسؤولين الترابيين بالجنوب في ملف حجز سبعة اطنان من مخدر الشيرا بداخل ضيعة فلاحية بمنطقة التمسية، كان بداية المشاكل المهنية للعميد ميسي في تحدث اخرون ان رجل كان يعرف تجار كبار بعضهم وجد طريقه لقبة البرلمان، في حين الاخر لازالت تلاحقه مذكرات بحث دولية.
كما شكلت شخصية ” ميسي” في السنوات الاخيرة محط انتقاذ بعد التصدي الى احتجاجات الاساتذة المتدربين التي وصل صداها الى قبة البرلمان وتداولتها حكومة بنكيران، كما ان الرجل نسج علاقة جيدة مع فاعلين اقتصاديين واعيان كبار، بعد مواجهة احتجاجات العمال في احدى الوحدات الصناعية بمنطقة ايت ملول، واعتقال عدد من النقاببين وتقديمهم للمحاكمة.

ان شخصية العميد “ميسي” باعتبارها ظاهرة أمنية نالت حب واحترام المواطنين في صراعهم المرير مع الجريمة بشتى انواعها، وخبر اعتقاله في ملف ليس بالسهل ووضعه ب”سجن الزاكي” جعل الرأي العام يبحث عن الحقيقة ويأمل الجميع ان تخرج ادارة الحموشي ببلاغ في الموضوع بعد نهاية البحث الاعدادي من اجل رفع اي لبس او تأويل واظهار الحقيقة التي الفها المغاربة في عهد الحموشي في مثل هذه القضايا.

عبد اللطيف بركة
المصدر: هبة بريس

اترك تعليقا